القيادات الدينية كصناع سلام لتعزيز الوحدة والوئام: تجربة ماليزيا
- 2019-Jun-03
إنها حقيقة شائعة أنه خلال الحضارة الإنسانية، كان الزعماء الدينيون يحظون بالاحترام من المجتمعات التي يعيشون فيها، حيث القيادة الروحية التي تعد واحدة من العوامل المهمة التي تجعل الناس يتبعون الأديان في المقام الأول. يقدم الزعماء الدينيون تفسيرات حازمة وواضحة لأتباعهم حول التعاليم الدينية وكيفية عيش حياتهم وفقًا للقيم والمبادئ التي يتطلبها دينهم. لقد نجح المجتمع المعقد في ماليزيا في بناء الأمة دون أي صراعات ويجب الحفاظ على هذا الأمر بعد الاستقلال، وقد دعمت الأمة التحديات التي تواجه التنمية دون الدخول في أي صراع قد يدمر كل شيء.
إدراكًا لتأثير الزعماء الدينيين ودورهم في تعزيز الوحدة، أنشأت الحكومة الماليزية عام 2010 لجنة تعزيز الوئام والتفاهم بين الأديان ومعتنقيها (يُشار إليها اختصارًا باسم "JKMPKA"). وقد عُهد إلى وزارة الوحدة مهمة تسهيل عمليات اللجنة، ويمثل اللجنة قادة من ست منظمات دينية، وهي الإسلام والمسيحية والبوذية والهندوسية والسيخية والطاوية والبهائية. أنشأت الحكومة هذه اللجنة استمرارًا منها في بذل الجهود المتواصلة نحو تعزيز الأعمدة والنسيج الاجتماعي الذي يضم مجتمع متعدد الأديان لضمان اتساق الأمة.
تتكون اللجنة من ممثلين من جميع الديانات المختلفة وقادة المجتمعات المدنية وأكاديميين، وتتمثل مهمتها الأساسية في مساعدة الحكومة في جهودها المستمرة لتعزيز التفاهم بين الأديان والأخلاقيات والتناغم والاستقرار الاجتماعي في ماليزيا. من المتوقع أن تؤدي اللجنة دورًا حاسمًا في توفير آليات لسد الفجوة بين الأديان والثقافات المتعددة في المجتمع من خلال مساعدة الحكومة في جهودها المستمرة لتعزيز التفاهم بين الأديان والأخلاقيات والتناغم والاستقرار الاجتماعي في ماليزيا، استنادًا إلى مبدأ المحبة الذي يشمل مفهوم حسن النية والثقة والمحبة.
تهدف اللجنة إلى تعزيز العلاقة بين المجتمعات ذات الأديان المتعددة وتشجيع جميع المنظمات الدينية على احترام الدستور الاتحادي والالتزام به، وهو القانون الأعلى للبلاد، وكذلك استخدام الوساطة كأداة في حل القضايا الدينية والثقافية والمسائل ذات الصلة وتوفير منصة لأصوات المنظمات الدينية لتسمعها الحكومة.
قامت اللجنة بالاشتراك مع الجامعة الإسلامية الدولية في ماليزيا
بتطوير منهج الوساطة بين الأديان لتدريب القادة الدينيين على مهارات الوساطة لتزويدهم
بالمهارات اللازمة لحل المناوشات التي تنشأ في المجتمع بشكل رئيسي نتيجة الجهل بالممارسات
الدينية المختلفة و سوء الفهم.
أثبتت الوساطة أنها وسيلة مهمة لوضع حد للنزاعات ولها
مزايا متعددة، حيث تشجع الأطراف المتنازعة على ممارسة الحق المطلق في الكلام في حل
النزاع وتعزز التعاون بين الأطراف وتوفر الوقت والتكلفة وتحافظ على سرية جميع الاتصالات
أثناء التفاوض مما يمكن الأطراف من التحدث بحرية، كما تساهم في الحفاظ على العلاقة
بين الطرفين وتحسينها ولا تثير غضب أي طرف على الرغم من عدم الوصول إلى أي حل، حيث
لا تزال العدالة قائمة بإحالة النزاع إلى المحكمة؛ والأهم من ذلك أنه ينتج عنها في
كثير من الأحيان التوصل إلى قرار متبادل ودائم تقرره الأطراف نفسها.
كل هذه المزايا ضرورية لحل المناوشات الدينية التي تنتج بشكل رئيسي من عدم فهم قيم وممارسات معتنقي الديانات المختلفة في ماليزيا، وسيسهم هذا بالتأكيد في حل القضايا الدينية التي تتشابك مع قضايا المجتمع دون اللجوء إلى المحكمة.
وعليه، تم تصميم المناهج الدراسية مع الأخذ في الاعتبار احتياجات وحساسيات جميع الأديان المختلفة لضمان إعطاء كل ديانة نصيبًا متساويًا من التركيز والاهتمام. إن الفرق بين الهندوسية والإسلام ليس مماثلاً للفرق بين المسيحية والإسلام، فضلًا على ذلك، فإن هذه الديانات تشترك في قيم وممارسات مختلفة، فالإسلام يختلف تمامًا عن المسيحية. ويمكن أن يؤدي الفشل في حساب هذه الاختلافات إلى سوء فهم عميق بين الديانات.
تتمثل أهداف برنامج الوساطة الدينية كما يلي:
· تزويد المشاركين بمعرفة مبادئ وقيم الحوار بين الأديان ومبادئ وقيم كل دين.
· تعزيز مفهوم التعايش السلمي بين الجماعات الدينية في ماليزيا.
· تحديد وفهم الأسباب الجذرية للصراع الديني وتوفير الحلول الممكنة لمثل هذه الصراعات.
· دراسة الأسباب النفسية للعنف الديني ومعالجة أسبابه الجذرية مع إشارة خاصة إلى الروحانية والتعايش السلمي وتطبيق الأوامر الدينية ذات الصلة.
· تزويد المشاركين بالمهارات اللازمة وأخلاقيات الوساطة مع التركيز بشكل خاص على الصراعات بين الأديان.
جاءت شهادة برنامج الوساطة بين الأديان كرغبة في صقل مواقف أكثر تعلمًا وقدرة للتعامل مع الصراعات بين الناس من مختلف الديانات في ماليزيا. إن تصميم مناهج الوساطة القائمة على الدين هي عملية معقدة تدمج بشكل حيوي ثلاثة أبعاد، البعد التقني، الذي ينطوي على المعرفة والمهارات لعملية الوساطة؛ والبعد الإنساني، الذي يستند إلى القدرة على التعرف على العناصر الشخصية والعاطفية والعلاقات في الصراع لتعزيز فهم أفضل بين العوامل المتعارضة والبحث عن حلول؛ والبعد المتسامي، الذي يعتمد على نظام المعتقد الديني ويسعى إلى التدخل الإلهي في النزاع لنقل الأطراف من الصراع إلى المصالحة وصنع السلام. يركز البرنامج على بناء التفاهم والاحترام بين الناس من جميع الأديان لتعزيز تماسك المجتمع حيث لا يتم التسامح مع جميع الأديان فقط ولكن يتم احترام الأفراد وتقدير التنوع والاحتفاء به. من الضروري تفاعل قادة معتنقي الديانات المختلفة مع بعضهم البعض ومع المجتمع ككل للحد من الصراعات. لتحقيق هذه الغاية، يجب أن يمتلك القادة الدينيون المعرفة والمهارات والأدوات اللازمة لمنع نشوب الصراعات والوساطة والتحول وصنع السلام.
أكملت الدفعة الأولى من الزعماء الدينيين تدريبهم في عام 2018 وأصبحت الآن قادرة
على المساعدة في حل الصراعات باستخدام أساليب الوساطة التي اكتسبوها.