المجتمعات المسلمة في الجنوب الأفريقي: إقامة في ملاذ آمنة
- 2019-Aug-04
باعتبارها ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة، تعرف أفريقيا بتنوع مناطقها وأقاليمها الجغرافية بل وتشتهر أيضًا باختلاف المجموعات السياسية بها، ونتيجة لهذا التنوع والاختلاف، نجد لكل منطقة ومجموعة سياسية سماتها الخاصة التي تميزها. والحرية الدينية هي إحدى السمات الرئيسة التي تميز دول الجنوب الأفريقي حال ما إذا قورنت بدول الشمال، إذ تعد الحرية الدينية أحد الخصائص التي عززتها مفاهيم البوتو/أوبونتو والتي تشير إلى مفهوم قريب من مفاهيم الإنسانية والأخوة، فهي تعني ضمنًا أن إنسانية الفرد مرتبطة برباط وثيق بما هو للآخر والعكس صحيح، وهو ما تدعمه كافة النظم الدستورية التي تكفل حرية الاعتقاد والممارسة لكل مواطن ولكل فرد يقيم في أي منطقة أو إقليم.
إذا اقتصرنا بحثنا على جمهورية جنوب أفريقيا وأقرب جيرانها بخلاف بعض الدول التي تبقى خارج هذه الدائرة، نجد أن موضوع المناقشة ينطبق على جميع المجالات في هذه الدول، إلا أن ذلك قد يشكل تعميم مبالغ فيه ولكنه مقبول عند مقارنته بمناطق أخرى في القارة، ولكن لكل قاعدة شواذ؛ إذ ثمة من يتجاهل هذه الممارسات العامة وينتهكها نتيجة توالي أنظمة معينة تتحيز لمواقف دينية بعينها ومفاهيم نمطية معادية للآخر. وهنا، يمكن أن نستشهد ببلدان مثل أنجولا ومملكة سوازيلاند كمثالين، يتزامنان، في بعض الأحيان، مع جميع الدول الأعضاء للجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي.
وهذا يحيل أعيننا صوب المجتمعات الإسلامية في مناطق هذا الإقليم، لنقف على مدى احترامها وتقبلها للتقاليد الدينية الأخرى الدول؛ ولا سيما الإسلام الذي يمثل أحد التقاليد الدينية التي تناولها الإعلام بشكل مبالغ فيه لأسباب خاطئة، فبدلًا من تقييم فلسفة الإسلام ومجموعة الممارسات الاجتماعية الدينية التي تندرج تحته، ركزت وسائل الإعلام على البعد السياسي له والذي يقع في قبضة بعض الجماعات الراديكالية والمتطرفة بالمعنى الحرفي والمجازي للكلمة. فبدراسة الصحف على المستوى الإقليمي على مدار العقديين الماضيين، لوحظ أنها تردد أفكار رويترز وغيرها من الصحف دون التشكيك في صحة ما تسوقه بخصوص آراء غالبية المسلمين تجاه بعض أعمال العنف.
وعلى ضوء ما ذكر، ما نود تأكيده من خلال هذا المقال القصير حقيقة تمتع المجتمعات الإسلامية في مختلف أنحاء هذا الإقليم بالحرية التي تتيح لها التعبير عن هويتها الدينية دون قمع أو تكميم حكومي. ومن النقاط الهامة التي يجب التأكيد عليها وتوضيحها هي أن الحرية الدينية باعتبارها سياسة إقليمية قد ساهمت من خلال أنظمتها التعليمية في أن تعلم الجيل الحالي من الدارسين أن يظهروا احترامًا وتقديرًا لأعضاء التقاليد الدينية الأخرى وكذا احترام كرامتهم من خلال سبل الحوار والتعاون، وهو ما تبنته أوبونتو. وبالمقارنة مع مناطق إقليمية أخرى، يمكن تصنيف الجنوب الأفريقي ملاذًا آمنًا للمجتمعات الإسلامية المترامية في أنحائه. وعند هذه المرحلة، يستعرض المقال فيما بعد أمثلة لمجتمعات استمتعت بحريتها الدينية وذلك على مدار العقديين الماضيين.
نستهل أمثلتنا بجنوب أفريقيا والتي تتمتع، كما هو شائع، بأكثر الدساتير تحررًا في القارة. فقد أظهر المجتمع المسلم فيها مرونة وحيوية منذ تحولها إلى دولة ديمقراطية في عام 1994. وبالحديث عن الناحية السياسية التي تمثل موضوع هذا المقال، يُذكر أنه قد سمحت جنوب أفريقيا بتشكيل أحزاب إسلامية لخوض الانتخابات الوطنية/ الإقليمية وهو ما استمر على مدار خمسة وعشرين عامًا. على سبيل المثال، خلال العقد الأول شارك الحزب الإسلامي الإفريقي والحزب الإسلامي في سباقات الانتخابات، وفي وقت لاحق، تم تشكيل كونغرس مسلمي كيب تاون لخوض الانتخابات المحلية، ولحق بالركب خلال الانتخابات الأخيرة حزب الجماعة.
وإلى جانب وجود هذه الأحزاب المسلمة، انتقل العديد من المرشحين المسلمين بين الأحزاب المدنية المختلفة فمنهم من أنضم من المؤتمر الوطني الأفريقي إلى حزب الحرية الجديد دون أية اعتراضات على وجودهم أو مشاركتهم. وعلى مر السنين، شهد حكومات جنوب أفريقيا العديد من الوزراء المسلمين ألى عامنا هذا 2019؛ فكان المحامي (عبد الله عمر) أول وزيرًا للعدل بعد عام 1994 ، كما تتولى السيدة (ناليدي باندور) وزارة التعليم العالي والتدريب، ويشغل السيد (إبراهيم باتل) منصب وزير الشؤون الاقتصادية.
أما في بتسوانا، نلحظ تطورات مماثلة ولكن على نطاق أصغر بكثير مقارنة بجنوب أفريقيا وخصوصًا بسبب قلة أعداد المسلمين هناك ولكنها واضحة وذلك من خلال جمعية بوتسوانا الإسلامية التي تأسست عام 1955، فالرئيس الحالي لهذه الجمعية السيد (ستار دادا) هو أمين صندوق الحزب الديمقراطي في بوتسوانا والذي يشغل هذا المنصب منذ عدة سنوات في إشارة إلى الثقة الموضوعة به. وثمة غيره من المسلمين المشاركين في الحياة السياسية ولكن ينتمون إلى أحزاب معارضة.
من بوتسوانا إلى موزمبيق، فنلاحظ أن المسلمين يشكلون جزءًا أساسيًا من المجتمع الموزمبيقي. أي شخص ملم بأحوال هذه الدولة، يعلم أنه ينتشر المسلمون بكثافة بالجزء الشمالي لها، حيث استفاد القادة السياسيون الدينيون من الأبجدية العربية لكتابة رسائلهم ونصوصهم الدينية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهو ما يشبه ما شهده مسلمو كيب تاون خلال الحقبة ذاتها. هذا بالإضافة إلى أنه تولى العديد من المسلمين بعض الحقب الوزارية في حكومات موزمبيق على مر السنين استرضاءً للمجتمع المسلم هنا، وجاءت هذه التعيينات فقط على أساس الجدارة والاستحقاق. ويجدر الإشارة إلى أنه منذ استقلال موزمبيق، معظم من تولى وزارة العدل كانوا من المسلمين، ويذكر أنه في نهاية عام 1990، عندما أقرت البلاد دستورًا جديدًا منقحًا كان (عثمان داوتو) مشرفًا على هذه العملية، وخلال عام 1994، عندما اختارت البلاد إجراء أول انتخابات متعددة الأحزاب، تم تعيين فريليمو خوسيه إبراهيمو عبده.
ختامًا، شاركت هذه المجتمعات الإسلامية بشكل فعال في تطوير المجتمعات المدنية في هذا الإقليم حيث تركت بصمة مؤثرة. فإنما وجدت هذه المجتمعات، تركت أثرًا جديرًا بالملاحظة؛ سواء في مجالات البناء أو في قطاع الملابس وغيرها من المجالات المختلفة، إذ ثبت أن المسلمين في آمن تام في الأماكن الديمقراطية التي تقع ضمن حدود هذا الإقليم.
وعلى هذا النحو، جاءت مشاركة المسلمين فعالة للغاية على جميع المستويات. لذلك، بالنسبة لهم ولاسيما أولئك اللاجئون والمهاجرون الذين وصلوا إلى هذه البقعة، أصبح شعور الحرية الذي طالما حلموا به، أصبح حقيقة. وعلى الرغم من أوجه القصور (مثل انتشار الجريمة والفساد) وقلة من جماعات المتطرفين والمشكلات التي يتم مواجهتها على المستوى الإقليمي، تمتع المسلمون باحترام معقول ونوعًا من أنواع الرضاء. وعليه، تكون المنطقة الجنوبية ملاذًا آمنًا للجميع، حيث يمكن أن يعلنها أحدهم جهرًا "الحمد لله" على هذه النعمة، حيث مجتمع متسامح يتبني مفاهيم أوبونتو وزعماء ذوي عقلية اجتماعية وسياسية متفهمة تراعي الآخر.
البروفيسور. محمد هارون
(جامعة بوتسوانا/ جامعة ستيلينبوش)